الذهبي

414

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

فلم يكن فيهم من يعرف المناظرة إلّا مالك بن وُهَيْب ، وكان متفنّنًا قد نظر في الفلسفة ، فلّما سمع كلامه استشعر حِدَّته وذكاءه ، فأشار على أمير المسلمين ابن تاشفين بقتله ، وقال : هذا لا تؤمن غائلته ، وإنْ وقع في بلاد المصامدة قَوِيُّ شرُّه ، فتوقّف عن قتْله دِينًا ، فأشار عليه بحبْسه ، فقال : عَلَامَ أسجن مسلمًا لم يتعيَّن لنا عليه حقّ ، ولكنْ يخرج عنّا ، فذهب هو وأصحابه إلى السوس ، ونزل تينملل ، ومن هذا الموضع قام أمرُه ، وبه قبره ، فلّما نزله اجتمع إليه وجوه المَصَامِدة ، فشرع في بثّ العلم والدّعاء إلى الخير ، وكتم أمره ، وصنَّف لهم عقيدةً بلسانهم ، وعظُم في أعيُنهم ، وأحبته قلوبُهُم ، فلما استوثق منهم دعا إلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المُنْكَر ، ونهاهم عن سفْك الدّماء ، فأقاموا على ذلك مدَّة ، وأمر رجالًا منهم ممّن استصلح عقولهم بنصب الدعوة ، واستمالة رؤساء القبائل . وأخذ يذكّر المَهْديّ ويشوّق إليه ، وجمع الأحاديث الّتي جاءت في فضله ، فلّما قرّر عندهم عَظَمة المهديّ ونَسَبه ونعته ، ادّعى ذلك لنفسه ، وقال : أنا محمد بن عبد الله ، وسرد له نَسَبًا إلى علي عليه السلام ، وصرَّح بدعوى العِصْمة لنفسه ، وأنّه المهديّ المعصوم ، وبسط يده للمبايعة فبايعوه ، فقال : أبايعكم على ما بايع عليه أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول اللَّه صلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم صنف لهم تصانيف في العِلم ، منها كتاب سماه : " أعزّ ما يطلب " ، وعقائد على مذهب الأشعريّ في أكثر المسائل ، إلّا في إثبات الصّفات ، فإنّه وافق المعتزلةِ في نفْيها ، وفي مسائل قليلة غيرها . وكان يُبْطن شيئًا من التَّشَيُّع ، ورتَّب أصحابه طبقات ، فجعل منهم العشّرة ، وهم الأوّلُون السّابقون إلى إجابته ، وهم الملقَّبون بالجماعة ، وجعل منهم الخمسين ، وهم الطّبقة الثّانية ، وهذه الطّبقات لَا تجمعها قبيلة ، بل هم من قبائل متفرقة ، وكان يسمّيهم المؤمنين ، ويقول لهم : ما على وجه الأرض من يؤمن إيمانكم ، وأنتم العصابة المَعْنيُّون بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تزال طائفة بالغرب ظاهرين على الحقّ ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلهم حَتَّى يأتيَ أَمْرُ الله " ، وأنتم الّذين يفتح الله بكم الرّوم ، ويقتل بكم الدّجّال ، ومنكم الأمير الذي يصلي بعيسى ابن مريم ، هذا مع جزيئات كان يخبرهم بها وقع